المؤلف: عمر الصنهاجي الغازي * *مهندس في المعلوميات و الرياضيات التطبيقية، مدير مشاريع و مهتم بميدان الذكاء الاصطناعي و سلاسل الكتل صفحة لنكد إن آخر تحديث: Feb. 10, 2026, 6:12 p.m.
سمير مطور برمجيات في العشرينات من عمره، يتمتع بذكاء متقد وطموح كبير. قرر سمير إنشاء تطبيق حديث للتسويق الإلكتروني بواجهة جميلة ويعتمد على آخر مستجدات الذكاء الاصطناعي من أجل توليد الاقتراحات وتحفيز المبيعات، لتوفير نقطة التقاء بين البائعين والمشترين. يتضمن هذا التطبيق واجهة للأداء الإلكتروني ويأخذ نسبة صغيرة عن كل بيع يتم عبر هذه المنصة. سمير كان متحمسا جدا للفكرة وأكد لأصدقائه أن هذا التطبيق سوف "يكسر السوق" حرفيا ! أمضى سمير ستة أشهر في تطوير التطبيق واختباره، واستخدم أحدث مكتبات البرمجة المتاحة، واشترى خوادم وقواعد بيانات عبر أحد مزودي الحوسبة السحابية المعروفين وقام بنشر تطبيقه وإتاحته للعموم. أرسل سمير بكل فخر رابط تطبيقه "الثوري" لجميع أفراد عائلته وأصدقائه وحثهم على نشره عبر معارفهم كذلك. أجابه الأصدقاء والأقارب بأن تطبيقه "جميل جدا" وأنهم سيقومون بتنزيله وتجربته. بعد عدة أيام من نشر التطبيق، فوجئ سمير بأن عدد تنزيلات تطبيقه لا يكاد يصل لبضع عشرات من التنزيلات (معظمهم أصدقاؤه)، والأدهى من ذلك هو أنه بعد التنزيل، تظهر إحصائيات التطبيق أن من ينزله يستخدمه مرة واحدة ولا يرجع لاستعماله مرة أخرى ! أصيب سمير بالإحباط، وأخذ يتساءل لماذا لم يلقَ تطبيقه الرائع أي تجاوب في السوق رغم واجهته الجذابة وسرعة أدائه واشتماله على خاصيات جديدة مقواة بالذكاء الاصطناعي غير موجودة في باقي التطبيقات المنافِسة ؟ والجواب هو أنه غاب عن سمير أن المشكلة لم تكن في التقنيات المستخدمة في التطبيق، ولا في لغة البرمجة الحديثة أو في جاذبية واجهته، ولا في دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في التطبيق، بل في أن سمير وقع في حب منتوجه دون أن يسأل نفسه منذ البداية هل تطبيقه سيقوم بمعالجة إشكالية يعاني منها الزبناء أم لا ؟! الخطأ القاتل الذي وقع فيه سمير، هو أنه انطلق من إعجابه الذاتي بالفكرة، بدل الانطلاق من الحاجة الحقيقية للسوق ! لماذا وقع سمير في هذا الخطأ ؟ لأنه خلط بين فكرة "جميلة" و حل "مشكلة حقيقية" لأنه سأل وتحرى آراء الأصدقاء، بدل استقصاء الزبناء لأنه لم يفكر في اختبار الفكرة مبكرا، قبل التوسع في تنفيذ مشروعه وبرمجة تطبيقه وإتاحته للعموم لنقم الآن بتحديد الخطوات العملية التي كان على سمير، أو أي رائد مشروع، اتباعها، قبل المضي قدما في تطوير منتجه: أولا وقبل كل شيء: تحديد المشكلة، وهي مبتدأ نجاح المشروع ما هي الإشكالية التي يعاني منها الزبناء، وأريد أن أقدم حلا لها ؟ مثلا في حالتنا هذه، هل المشكل هو غياب تطبيقات للتسويق الإلكتروني ؟ أم غياب طرق للدفع الإلكتروني الدولي داخل التطبيقات المتوفرة حاليا ؟ أم ضعف جودة الاقتراحات التي توفرها محركات البحث داخل هذه التطبيقات ؟ أم غياب أنواع محددة من المنتوجات داخل هذه المتاجر الإلكترونية ؟ تحديد الإشكالية التي سيعالجها منتوجك هي نصف النجاح ! ثانيا: التحدث مع مستخدمين حقيقيين، أو ما يصطلح عليه ب"مقابلة المعنيين" يجب أن أحدد من هم المعنيون الحقيقيون في السوق الذين يعانون من هذه المشكلة التي أريد حلها هل هم الصناع التقليديون وأرباب الحرف الذين يريدون بيع منتوجاتهم عبر الإنترنت ؟ هل هم المشترون الذين يبحثون عن طرق ميسرة للدفع الإلكتروني ؟ هل هم الشباب الذين يستوردون منتجات مصنعة في آسيا ويبيعونها عبر نموذج "البيع بالتجزئة دون تخزين" ؟ عندما أحدد صنف أو أصناف المعنيين الذين أريد أن أحل مشكلتهم، يجب أن أنظم مقابلات مع العشرات منهم حتى أحيط بجميع جوانب الإشكالية من جميع أبعادها. نموذج مقابلة المعنيين: ثالثا: دراسة الجدوى السوقية ملخص دراسة الجدوى السوقية يتمحور حول سؤال واحد: هل يوجد طلب حقيقي وكافٍ في السوق على هذا المنتج/الخدمة؟ و يمكننا تقسيم هذا السؤال إلي محاور فرعية: 1) حجم السوق يجب أن نحلل هل السوق حاليا في نمو أم ركود، وما هو مستوى الطلب الحالي، وهل هناك موسمية في الطلب ؟ ما هو حجم السوق الحالي وعدد الزبناء المحتملين ؟ 2) تحليل المنافسة من هم المنافسون المباشرون وغير المباشرين ؟ ما هي نقاط القوة والضعف لديهم ؟ ما هي حصص السوق التي يمتلكونها ؟ وما هي خطط التسعير التي يعتمدونها ؟ 3) الميزة التنافسية ماذا يميز منتجك ؟ هل ستحل مشكلة حقيقية ؟ لماذا سيختارك العميل بدل غيرك ؟ 4) التسعير ما هي قدرة العميل على الدفع ؟ ما هي خطط التسعير المناسبة ؟ هل ستعتمد مستويات مختلفة في التسعير ؟ (اقتصادي، متوسط، مميز) 5) قنوات التسويق كيف ستجذب العملاء ؟ ما هي القنوات التي ستعتمدها في التسويق (ما هي شبكات التواصل الاجتماعي المناسبة لتسويق منتجك ؟ حملات إشهارية ؟ توزيع مناشير ؟) 6) قنوات التوزيع كيف سيصل المنتج للعميل؟ بيع مباشر؟ متجر إلكتروني؟ موزعون؟ ما هي تكاليف الوصول إلى العميل؟ 7) المخاطر السوقية دخول منافسين جدد ؟ إمكانية تغير سلوك المستهلك ؟ هل هناك مخاطر متعلقة بالقوانين والتشريعات يجب مراعاتها ؟ كيف ستأثر التقلبات الاقتصادية على مشروعي إن طرأت ؟ رابعا: اختبار الفكرة بنسخة أولية في القصة التي سردناها حول المشروع الذي فشل فيه سمير، لاحظنا أنه استغرق ستة أشهر كاملة في تطوير تطبيق كامل بجميع الخصائص الممكنة قبل طرحه في السوق، مما زاد من جرعة الإحباط لديه نتيجة الجهد الجبار الذي استهلكه دون أن يحقق النتائج المرجوة. وهنا نطرح السؤال التالي: ألم يكن من الأفضل لسمير أن ينشئ نسخة أولية مبسطة ويختبرها في السوق قبل أن يطور ويطرح النسخة الكاملة ؟ النسخة الأولية، والتي تسمى أيضا "المنتج الأولي القابل للاستخدام" هي استراتيجية شائعة لاختبار السوق قبل إطلاق المنتج النهائي. الهدف من النسخة الأولية ليس إنشاء منتج متكامل، بل تطوير نسخة مبسطة تحقق اختبارا حقيقيا لتجاوب السوق بأقل تكلفة ممكنة. النسخة الأولية تمكنك من: 1) اختبار الفرضية الأساسية: هل المشكلة حقيقية فعلًا؟ هل الناس مستعدون لاستخدام الحل؟ هل هناك استعداد للدفع؟ 2) التحقق من ملاءمة المنتج للسوق: هل المستخدمون يعودون لاستخدامه؟ هل يحلون به مشكلة فعلية؟ هل يقترحونه على غيرهم؟ 3) جمع بيانات حقيقية: بدل الاعتماد على التوقعات فقط، تمكنك النسخة الأولية من جمع إحصاءَات استعمال حقيقية بأقل التكاليف: ما هو معدل التسجيل ؟ ما هو معدل الاستخدام ؟ هل المستخدمون يقترحون المنتوج على غيرهم ؟ ما هو سلوك المستخدمين داخل المنتج ؟ 4) الحصول على مستخدمين أوليين: تمكنك النسخة الأولية من بناء مجتمع أولي يستعمل المنتج، وفهم احتياجات المستخدمين العميقة وهذه خطوة مهمة ستمكنك من تطوير المنتج النهائي بناءً على ملاحظاتهم 5) اختبار نموذج الإيرادات تمكنك النسخة الأولية من الإجابة عن الأسئلة التالية: هل سيدفع العملاء مقابل هذا المنتج ؟ ما هو السعر المناسب ؟ هل أتبنى مثلا نموذجا للاشتراك الشهري أم نموذجا يتعمد على خصم عمولة عن كل بيع ؟ 6) إثبات الفكرة للمستثمرين أو الشركاء تعطيك النسخة الأولية أرقاما حقيقية عن الاستخدام الفعلي للمنتج من طرف عملاء حقيقيين. وبذلك تعطي مؤشرات حقيقية للمستثمرين والشركاء عن الفرص الاستثمارية التي يوفرها وتشجعهم على الانخراط في النسخة النهائية للمنتج. ⚠️ لنتذكر النسخة الأولية هي نسخة مبسطة من المنتوج، تتضمن المكونات التي تجيب عن المشكلة الأساسية بأقل مجهود وأقل تكلفة ممكنة، دون أن تتوسع في جميع تفاصيل المنتج النهائي. النسخة الأولية ليست تسليما لجزء أو أجزاء منفصلة من المنتوج، بل هي منتوج متناسق قابل للاستخدام ولكنه مبسط خامسا: اتخاذ قرار الاستمرار أو الإيقاف بعد استكمال جميع الخطوات السابقة، من تحديد المشكلة الحقيقية التي يعاني منها الزبناء، والقيام باستجواب المعنيين، ودراسة الجدوى السوقية، واختبار الفكرة بنسخة أولية، نصل إلى الخطوة الحاسمة، وهي اتخاذ قرار الاستمرار بتطوير المنتج النهائي، أو بإيقاف المشروع. اتخاذ قرار الاستمرار من عدمه يعتمد على النتائج التي استُخرجت من الخطوات السابقة. ويجب على رائد المشروع أن يتذكر أنه إذا اتخذ قرار الإيقاف، فذلك لا يعد فشلا، بل على العكس، هو نجاح في استشراف استباقي لمحدودية فرص نجاح المنتج بأقل الخسائر الممكنة بدل التورط في مشروع فاشل بتكلفة باهظة بسبب عدم اتباع الخطوات العلمية المنهجية التي ذكرناها آنفاً. كما أن قرار الإيقاف إن اتُّخذ، يمنح رائد المشروع فرصة جديدة لاستكشاف أفكار أخرى ربما تكون ناجحة وأفضل بكثير من فكرته السابقة.
الرجوع إلى الصفحة الرئيسية